English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

قصة حب مندائية

كتابات - المحامي سعد الأسدي

وسط بستان نخيل على ضفاف نهر يتفرع من الفرات كانت داره ،لا يفصلها عن ضفة النهر الرملية سوى جادة لمرور السابلة ، وعلى الضفة كانت ورشته لصناعة المشحوف تستظل بشجرة سدر باسقة ،كان شيخا" مندائيا أبيض الوجه كريم اللحية متوسط القامة حلو المعشر ، يبدأ عمله في الصباح الباكر فيصنع أضلاع المشحوف ثم يكسيها بالخشب ويدهنها بالقير يساعده أولاده في مهنته فقد كانت ورشته الوحيدة في الديرة، أما انا فلم تتسع ذاكرتي الصغيرة في عمر الخامسة سوى ان دارنا كانت على الضفة الثانية تقابل دار الشيخ مباشرة و ان والدي كان يصحبنا معه في الصباح الباكر انا وشقيقتي الاكبر فيعبر النهر ويربط مشحوفه على حافة الورشة فتنزل شقيقتي تحمل سلة مصنوعة من خوص النخيل تحتوي خبزا" اعدته امي ولبن رائب وزبد فتدخل الدار وتساعد العجوز زوجة الشيخ على اشعال النار واعداد الفطور وتنضيف الدار وغسل الملابس فيما اقوم انا بعملي وهو جمع المسامير والخشب المتناثر في الورشة واصنفها،تلك ذاكرتي الاولى وقد علمت ان والدي يرسلنا لخدمة الشيخ بعد ان انتقل ولده الاكبر وافتتح محل صياغة في القصبة والثاني التحق بوظيفة في الحكومة،وقد اسعدتني تلك الرحلة المنتظمة التي اعود منها ظهر كل يوم بعد عودة والدي من المدينة فنركب المشحوف ونعبر النهر عائدين .

وغبرنا على ذلك زمنا" حتى جاء يوم حضر فيه كل أفراد أسرة الشيخ وارتدى الجميع ملابس بيضاء ونزلوا للنهر فعدوت الى امي طالبا" منها ان ارتدي مثل صبيانهم فألبستني ثوبا" ابيض وشدت وسطي بقطعة قماش وععمتني بعصابة بيضاء وتناولتني من يدي الصغير الى ضفة النهر ولم تجرء ان تكلم الشيخ ولكنه كان رحوما" رؤوفا" متسامحا" فعبر النهر سباحة وتناولني فأركبني على كتفة وعاد بي فخلطني بأسرته وهو يعمدهم ويقرء صلواته والمارة يجتنبون تجمع الاسرة فيبتعدون بمراكبهم الى الضفة الثانية وهم يباركون الشيخ العيد فيجيبهم مازحا" (شقبض من الحجي اريد عيدية كطان يابس) .

وفي احدى الامسيات جاء الشيخ إلى دارنا مع ولده الصائغ وكلموا والدي بضرورة ان يلحقني بالمدرسة فقال لهم انه صغير والمدرسة بعيدة في القصبة وليس له أصحاب، فقال له الصائغ (لاتقلق سيلتحق ولدي وصفي معه للمدرسة) فأشترى لي الشيخ ثوب وحذاء وارسلني ابي الى محل الصائغ حيث اصطحبني مع ابنه الى المدرسة وجلسنا على رحلة واحدة حتى تخطينا الصف الثاني ونحن سوية لا نفترق، فإذا جاء درس الدين الإسلامي في الصف الثالث كان المعلم يخير وصفي المندائي بالبقاء او المغادرة، فكان يغادر حبا" للحرية وكنت أغادر الصف معه فيضحك المعلم ويسمح لنا بالمغادرة جميعا" .

كانت المدرسة شديدة الوطأة على صغير تعود اللعب والمرح فكنت إذا ما انتهى الدرس أعود مسرعا" إلى الورشة فرحا" بمساعدة جدي الشيخ وكان هو ينتظرني فإذا حضرت قال لي دعهم يعدون لنا الغداء واذهب أنت واجني لي حفنة رطب من (نخلة الشكر) وبعد تناول الغداء يتمدد الشيخ في قيلولته المعتادة وامسك أنا مهفة وأحرك له الهواء فإذا غفي وغط بشخيره تثاءبت وتمايل رأسي ورحت في نوم عميق لا أصحو منه إلا على صوته في الورشة وهو يمازح القرويون العائدون إلى ديارهم ،مرت أيامي الجميلة تلك وأنا امرح بين داري وجدي ومدرستي حتى جاء يوم لازلت أتحسس مرارته في نفسي وأنا في السادسة والأربعون،حيث عدت من الدرس الى دار الشيخ كعادتي ولكني وجدت الورشة خالية من عدتها ففزعت روحي وعدوت الى الدار فوجدت الباب موصدا" فدرت حول الدار لأدخل من فتحة في جدار القصب يدخل منه كلب وديع مسن كان الشيخ يسميه( مبروك)فدلفت منه الى الدار فوجدت غرفة الشيخ فارغة والدار موحشة خلت من أهلها ومبروك يئن تحت شجرة السدر فخرجت من الدار اركض باكيا" الى دارنا فوجدت أمي تجلس على ضفة النهر المقابلة فتناولتني بأحضانها تعللني وتسوفني وهي تقول ان جدك شيخ طاعن في السن خشي عليه أولاده فنقلوه معهم إلى سوق الشيوخ هناك كهرباء وطبيب وسوف نذهب لزيارته يوم الجمعة .

كان ميعادا" بعيدا" لا تتقبله روحي ولكني سكتت أملا" في لقاء الشيخ وفي مساء الجمعة انشغلت أمي وأخواتي في أعداد طحين الرز العنبر وتنظيف الطيور كعادتها عندما تطبخ للشيخ (اللوفاني)في الأعياد المندائية وفي الصباح الباكر كنت مع أمي في سيارة لاندروفر،حتى وصلنا إلى محلة الصابئة فنزلنا من السيارة ومشينا حتى دخلنا في زقاق ضيق لم يجف الوحل فيه من اثر مطر سابق وانهار صغيرة تجري بمياه آسنة كريهة الرائحة ومن بعيد رأيت جدي الشيخ وهو يجلس وحيدا" على حصيرة في باب دار صغيرة يلبس يشماغ احمر وثوب شتوي مشتملا" بعباءة صوف قابضا" على لحيته ينظر إلى البعيد ضعيفا" وقد غارت عيناه واصفر وجهه فعدوت إليه راكضا باكيا ضاحكا ففرد لي عباءته وضمني إليه و دموعه جارية على لحيته وأنا اقبل يديه وأخرجت تمرات (شكر) من جيبي فتلقفها مني فرحا" بهديتي وشكوت له فراقه وان داره خالية ولكن مبروك لا يزال هناك يحرس الدار فقال لي هو عجوز لا يستطيع توفير طعامه إذا عدت خذه معك وأرعاه

ذاك كان آخر عهدي به ،إما صديق الطفولة والمدرسة (وصفي)فأصبح معلما" وانتقل إلى بغداد وافتتح محلا" للصياغة كنت أزوره فيه ونستذكر أحلى أيامنا وكنت اكتفي وأرضى بما يذكرني بملاعب الطفولة والصبا حتى خطفت روحه الأيادي الإرهابية رحم الله الجميع وتغمدهم بواسع رحمته.

الناصرية