English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

الجبل المحروق

فاروق عبدالجبار عبدالإمام

أمّـا أنا فقد أشبهت الجبل المحروق حيث لا تنمو زهرة على سفحه ، أو كالنهر المهجور الذي جفّ ماؤه ؛فلا تغرس على ضفتيه الأغراس ، كل من نظر اليه انتابه الحزن
أ و بعد هذا الوصف وصف! ، أ وبعـد هذا الحزن حزن ! أ بعد هذه العظمة عظمة ! أ بعد هذا التشبيه تشبيه؟

آلاف الصور تداعت كأنها أوراق أشجار في خريف عاصفٍ ، آلاف اشرطة الأفلام أضحت عديمة الفائدة لتعرضها لأشعة هذا البيان الباهر ، لهذا الألم المبرح لهذا الحزن الذي يكاد يقتل صاحبه . آلاف الكلمات تجمعت في عبارة واحدة ، في تشبيه واحد يالها من عظمة تلك الكلمات النبوية التي يعجز البشر مثلنا أن يأتي بمثلها ، بمستواها، بمعناها، بجزالتها، بوصفها، بحزنها ، برقتها ، بعنفها ، بمغزاها، أن يأتي بمثلها فهذا المحال بعينه، بأقل
منها ممكن لكن أيكون البشر والنبي سـواء ؟

من منّـا شـّبه نفـسه بالجبل ولم يغالِ أ ويمكن لنا نحن البشر أن نصارع ما لايصارع !
شـّبه نفـسه بالجبل واي جبل! أنه جبل محروق ! وهل يحترق الجبل ؟ أ يحترق تماما" فيغدو رمادا" تذره الريح ،
فلا شجر ولا زهر ولا ورد يكلّل هامته . لكن أي قسوة وأي شاعرية وهل تحمل الكلمة ضدها ومعناها في الوقت عينه ؟ الجبل لا يحترق بسهولة والنهر لا يجف ولا يغيّـر مجراه بسهولة لكن هاهو من يشعر بكل هذا بكل الألم بكل
الأسى بكل الحرمان ... هو لايهتم بما اعتراه لكن الهم الأكبر هو تلك العيون التي ترمقه ولا تقوى على التحدث اليه وتشعره بما يجيش بداخلها ومما تانيه من ألمِ دفين يعتصر القلب كما يعتصر الزيت من الزيتون . فقط عيون الملأ تواسيه ، عيون مليئة بالكلمات التي لن ترى النور لأنها حبيسة المحاجر، وكلمات لا تخرج من الأفواه ؛فهي حبيسة الشفاه . الأرض باتت خالية ، خاوية ، خارجة عن المألوف؛ فهي منذ أن خلق الحي الأزلي آدم مسكونة بآلاف الأشياء ، وفي كل الارجاء وفي كافة الأنواء والبيت الذي يشكو الخواء ويستصرخ الأصداء أضحى متهدم الأرجاء ، فهل من رجاء فيمن يعيد الأضواء ويقيم البناء ! هل هناك من يزيل أو يزيح العتمة التي كللت الدار
وأهل الدار ؟أي بيت وأي دار تلك التي عنها أتحدث وأسهب ، أين تكون ،وهل هي موجودة فعلا" ؟ نعم لإنها موجودة ولأنها هناك فاني أتحدث عنها ، انها هنا ، انها هناك ! انه ... أنها الزوجة ،الزوجـة! نعم الزوج والزوجة كلاهما يكمل الآخر ، انهما طرفا المعادلة التي لا يقوى أحدهما دون وجود الآخر ، انها الرابطة السماوية التي أوجدها وحللها ربّ العباد وخالق الخلق جميعا" لتكون الآصرة التي لا تنفصم قد يقول أكثركم الآن : أوبعد كل هذا العناء والآهات والتنهدات تقول هذا !

وأرد الإتهام وأقول :أنا لم أختلق ولم أحاول أن أوجد شيئا" غير موجود واختلق ما أتهم لأجله ، لكن دعوني أقول أنها آهات رجل و تنهدات انسان وآلام نبي لم يشأ أن يتزوج ، لكن الرجل الذي في النبي يقول ( سعيد من يتزوج ومهيب من ينجب أبناء" ) 1 بيد أن النبي الرجل يقول { أخشى إن تزوجت وجاء الليل وحان النوم وأقتربت منها أن أكفّ عن أداء طقوسي السماوية} 2 وهاهو الإنسان الذي في الرجل النبي يقول : { الآرض أصبحت دون ولي بيتا" دون خلف ، فمن يعـدّ زادك يايحيى ؟ ومن يكفيك مؤنتك ؟ من يسير خلف جنازتك . قال يحيى ذلك فأغرورقت عيناه بالدموع }*3* نبي ويبكي عظيم ويذرف الدموع..! فمن نحن..! حفاة نسير في هذا العالم تثقل خطانا الهموم ويةدوقف مسيرتنا الضنك وتجرحنا أشواك أنفسنا التي لم يلجمها لجام بل سدرنا في جهلنا في النص الحادي عشر نقرأ { لو لم تكن الزوجة في هذا العالم ؛ لما أشرقت شمس وما أنار قمر لولا الزوجة ما كان ماء الحياة وما تكونت البذور فالزوجة كالماء والسماء والآرض والنار } اذن خلق الحي الأزلي الأرض والسما والماء والنار لسبب ، وجعل فيها آدم لسبب وألحق به حواء لسبب، وبوجودهما خلقت الحياة وبوجودهما عمرت الأرض ولوجودهما وجدت الحضارة ، وبوجودهما وجدت الفوضى وسادت الأرض الحروب وكانت أول حرب بين أخوين بـسبب ( امرأة) وبذا فقد لآدميون آدميتهم ، فياله من وجود ..! أهو العبث ؟ أم هو ما مقـدر للأنسان أن يراه ! ولماذا يراه ؟ ألم يكن من البدء عدم خلق البشر والشجر والحشر هو الأجدى ؟ ألم يكن من الأفضل ألايوجد هذا الكم الهائل من الحسرات والألم ؛على من نفقد نقول: * قـد مات واستراح*، ولمن يولد نقول: ماذا ستواجه وماذا ستفعل في هذه الدنيا الفانية الزائلة المليئة بالشر والشرور ؟ أسئلة لا طاقة لنا بالإجابة عنها ؛ فنحن مخلوقون وللخالق حكمـة في ذلك وله الأمر
من قبل ومن بعد
والحي مزكي الأعمال والنيات
*1النص الثامن والعشرون
*2النص الحادي عشر
12/2/2006