مــلف ك." جـــديـــد إيـمـــري كـــــيـرتــيــس
أنـا يـهــودي لكـني لا أشـعــر بالانـتـماء ولا حـاجـة لي إلى ذلـك
ثائر صالح
بودابست...
صدر للكاتب المجري إيمري كيرتيس كتاب جديد عنوانه "ملف ك." في 261 صفحة من القطع الصغير، وقدمت دار النشر الشهيرة Magvet? الكتاب في أمسية أدبية انعقدت أخيرا على مسرح رادنوتي في العاصمة بودابست، حيث تحاور مؤرخ الأدب لاسلو سُريني مع الكاتب الحائز نوبل الآداب عام 2002، ثم قرأ كيرتيس مقاطع من كتابه بمشاركة الممثل القدير أندراش بالينت مدير مسرح رادنوتي. بعد انتهاء الأمسية الأدبية التقيت الكاتب الذي قدم إلى بودابست من محل إقامته الحالي في برلين خصيصاً لهذه المناسبة، وقدمت له نسخاً من الترجمة العربية لعمليه "لا مصير" و"الراية الإنكليزية/ المحضر" اللذين توليتُ ترجمتهما وصدرا عن "دار المدى" عام 2005.
"ملف ك." هو في الأصل فكرة لمدير دار النشر، وافق عليها كيرتيس: حوار طويل معه يجريه الباحث زولتان هافنر خلال عامي 2003 و 2004. هكذا تم تسجيل ساعات طويلة من المحادثة عن حياة كيرتيس وآرائه. غير أن الكاتب أعاد كتابة المسوّدة التي تسلّمها من هافنر ليصبح الكتاب أحد مؤلفاته الفعلية، مكثفاً ودقيقاً في عباراته وكلماته كما عوّدنا في كل أعماله. الكتاب إذاً سيرة ذاتية، يتحدث فيه الكاتب عن حياته، طفولته وعلاقاته بعائلته، بأمه وأبيه، بزوجة أبيه وزوج أمه، وبأقاربه. عن العام الذي أمضاه في معسكرات الموت، والذي وصفه في روايته الأولى "لا مصير" وصفاً غير مسبوق، وعن حياته في ظل ديكتاتورية راكوشي الشمولية، التي وصفها في قصة "الراية الإنكليزية" الرائعة، وأيضاً عن حياته الأدبية وقراءاته. يتبسط كيرتيس في تفصيل رؤيته للحياة وتجربته المريرة في معسكر الإعتقال النازي وموقفه من الهولوكوست، المتمثل في رفضه تحويل محرقة اليهود الأوروبيين اسطورة تغلفها هالة من القدسية يحرم المناقشة حولها والتفكير فيها. آراء كيرتيس في هذا الموضوع جديرة بالإهتمام ومدعاة للتفكير، وهو القائل في مقابلة مع صحيفة مجرية: "لا أريد أن أصبح كاتباً رسمياً للهولوكوست، لديَّ رؤيتي الخاصة، وأطمح إلى الحفاظ على ذلك". ولتوضيح ذلك أكثر نقتبس هذه الفقرات من عمله الأخير "ملف ك.":
يتحدث كيرتيس في كتابه عن المعتقد، فيقول: "أنا يهودي. لكني يهودي لا علاقة لي بأي نمط من أنماط الحياة اليهودية المعروفة قبل اوشفيتز. ولست باليهودي التقليدي الأصيل، ولا باليهودي المندمج. ولا حتى بإسرائيل. لعل هذا القول الأخير هو الأصعب عليَّ... أعتقد أن كلمة الإنتماء هنا لا معنى لها. لا أشعر بالإنتماء، ولم أكن يوما في حاجة إلى ذلك".
عندما التقيته، اشتكى لي كيرتيس من أن صحافياً عربياً تجاوز معه مرّة حدود اللياقة، لكنه لم يدخل في التفاصيل ولم يفصح عن اسم الصحافي. لا نستغرب ذلك، لأننا إذا استثنينا ما نشرته بعض الصحف العربية الجادة، فإن غالبية ما صدر في كثير من الصحف العربية صبيحة إعلان فوز كيرتيس بجائزة نوبل للآداب عام 2002، لم يخرج على إطار اتهام الأكاديمية الأسوجية بالإنحياز، وإدخال الأمر كله ضمن اطار نظرية المؤامرة الصهيونية والإمبريالية التي ما لبثنا نجترها منذ ضياع فلسطين حتى هذه اللحظة تعويضاً عن عجزنا الظاهر. كثيرون ممن كتبوا عن منح كيرتيس جائزة نوبل، لم يقرأوا سطراً واحداً من أعماله، ولم يتركوا جانباً الأحكام الجاهزة والتصورات والتخيلات والإعتقادات ليبنوا عن أعمال كيرتيس رأياً مستقلاً، سلبياً أكان أم إيجابياً.
من ابرز أعماله: "لا مصير" 1975، "الفشل" 1988، "الهولوكوست كثقافة" 1993، "المحضر" 1993، "تأريخ التحولات" 1997، و"التصفية" 2003. يعيش في برلين منذ سنوات، ولا يزور المجر إلا نادراً. أحد أسباب ذلك، هو الفتور الشديد الذي يتعامل به الوسط الثقافي في المجر مع كيرتيس، حتى بعد حصوله على نوبل، وخصوصاً النفور الذي تقابَل به دراساته وآراؤه الغريبة نوعاً ما. فهي جريئة، لكنها لا تخلو من بعض الطوباوية والتناقض، ولربما التطرف. على سبيل المثال، يعلن كيرتيس في روايته "يوميات العبودية" (صدرت في 1992): "اوشفيتز أكبر صدمة للإنسان الأوروبي منذ الصلب"، فيسأله هافنر عن ذلك في "ملف ك.": "ألا يزال في امكانك الحديث اليوم عن اوشفيتز والصليب في الجملة نفسها؟"، فيجيبه الكاتب: "تتوضح في هذه العلاقة الأهمية الاستثائية لاوشفيتز بالنسبة الى الإنسان الذي تربّى في أحضان قيم الثقافة الأوروبية. فواحد من قوانين هذه الثقافة المتلخصة في الوصايا العشر يقول: لا تقتل! والآن عندما يُسمح للإبادة الجماعية بأن تصبح ممارسة يومية، لا بل مهنة عادية، عندذاك يجب أن نقرر: هل قيم هذه الثقافة المتخيَّلة هنا في أوروبا والتي نتعلمها جميعاً منذ المدرسة الإبتدائية – قتلةً وضحايا على حد سواء - لا تزال قائمة أم لا؟".
تكمن أهمية "ملف ك." خصوصا في انه يوضح الكثير من النقاط المثيرة للمناقشة في أعمال كيرتيس، ولنقل انه يضع النقاط على الحروف. به تتفتح الشبابيك فجأة لتنفذ هذه الأسرار الصغيرة مع ضوء الشمس، وهذا شأن كل حوار ذكي تُطرح فيه أسئلة عميقة وحقيقية. كذلك فإن كتاب "ملف ك."، عدا كونه وثيقة دقيقة وتسجيلاً لسيرة حياة كيرتيس، عمل أدبي في الوقت نفسه – في لغته وبنائه وثناياه، مليء بالمفاجآت والآراء الجريئة، وقراءته ممتعة ومفيدة على السواء. ونأمل أن نراه في ترجمة عربية قريباً.
ثائر صالح
مـقــتــطـــف مـن الـكـــــتـابهافنر:
في مقابلة اجريت معك عام 2003 قلت أنك كتبت "لا مصير" عن نظام كادار، الأمر الذي أثار مناقشات واسعة، وقال الكثيرون أنك خنت الهولوكوست.كيرتيس: كانت هذه المناقشة جاهلة وغير مسؤولة، تماماً مثل استعمال كلمة هولوكوست بطريقة تتجاوز كل الحدود. فهم لا يجرؤون على تسمية ما حدث باسمه – مثلاً "إبادة اليهود الأوروبيين"، كما يتحدث راوول هلبرغ في عمله المهم – بل عثروا على كلمة لا يفهمون محتواها، ووضعوها في نظام مفاهيمنا بعدما أمّنوا لها موقعاً طقسياً متحجراً لا يمكن المساس به، ثم دافعوا عنها كما يفعل الكلب الذي يحرس البيت. كلما اقترب منها أحد ليحركها قليلاً علا نباحهم عليه. لم أطلق على "لا مصير" صفة رواية هولوكوست مطلقاً، كما اعتاد الآخرون فعله، لأن لا يمكن التعبير عما يسمّونه هولوكوست في رواية. أنا كتبت عن حالة، ومع أن الرواية تطمح إلى صوغ خبرة انسانية من تجربة معسكرات الموت التي لا توصف، فإن ما شغلني في الدرجة الأولى هو النتائج الأخلاقية للحياة في المعسكرات والحياة بعدها. تجربة معسكرات الموت تصبح خبرة انسانية في الوقت الذي نعثر على عالمية التجربة. وهي عبارة عن حالة اللامصير، وهذه سمة مميزة للديكتاتوريات، حيث تستحوذ على المصائر وتؤممها وتحولها مصائر عمومية، تستلب من الإنسان جوهره الإنساني. الرواية كتبت في الستينات والسبعينات: وأنا أتساءل، أي رواية هذه التي لا تحمل بصمات عصرها، لغته وعالم أفكاره؟ لماذا يتصورون فترة حكم كادار على أنها ليست ديكتاتورية؟ إنها كانت كذلك بالفعل، وبامتياز، ونعثر على حقيقة اوشفيتز في كل ديكتاتورية تأتي بعد اوشفيتز. غير أن معرفة هذه الحقيقة والإعتراف بها يعتبران فضيحة ضمن الأفكار السياسية المتحجرة في السياسة المجرية. وأنا بهذا لم أقل إن الهولوكوست كان مثل نظام كادار؛ إنما أردت بذلك أني فهمت تجربتي في اوشفيتز بشكل واضح أثناء نظام كادار، وما كان في الإمكان فهمها فيما لو ترعرعت في ظل نظام ديموقراطي...هافنر: تستعمل كلمة اوشفيتز كمفهوم واسع: ما هو اعتراضك إذاً على كلمة هولوكوست؟كيرتيس: عثرت في كتاب الفيلسوف الإيطالي جورجيو آغامبن، "ما يبقى من اوشفيتز"، على التعبير الكامل عن اعتراضي الفطري. يقول: "ينبع تعبير الهولوكوست غير الموفق من الحاجة اللاواعية إلى إيجاد تفسير للموت بدون سبب، حتى يمنحه معنى ما، وهذا أمر لا معنى له تماماً". يعرج على ايتمولوجيا الكلمة، وجوهرها أن الكلمة اليونانية القديمة holocau(s)tos هي في الأصل صفة؛ معناها "محترق تماماً"؛ ثم يقودنا تأريخ هذه الكلمة إلى عالم مفردات آباء الكنيسة الأوائل، وهذا أمر نترك مناقشته الآن. بقدر تعلق الأمر بي، فأنا أستعمل الكلمة، لأنهم جعلوا ذلك أمراً لا يمكن تجنبه، غير أني أعتبرها تلطيفاً للأمر واستسهالاً جباناً خالياً من الخيال".ترجمة ث. ص.