English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

المنـدائيــون ، بين فكي الإضطهاد والإنقراض

د.قيس مغشغش السعدي

على مدى يومي الجمعة والسبت 11-12/4/2008 عقد في مدينة فرانكفورت الألمانية مؤتمر الأقليات الإثنية والدينية في العراق الذي إشتركت في تنظيمه الجمعية العالمية للشعوب المهددة وجمعية فردريك نومان للسلام. وكلتا المنظمتين معروفتان على المستوى الدولي في الدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة والحرص على السلام، حتى أن الأولى قد سعت الى تأسيس مكتب لها في الشرق الأوسط وجعلت مقره في مدينة أربيل. ويأتي هذا المؤتمر تظافرا مع الجهود الحريصة على كيان مكونات الشعب العراقي وبخاصة الأقليات فيه. وليس ما أتناوله هنا تقريرا عن مجريات المؤتمر، بل عن صوت المندائيين فيه.

لقد تباينت طروحات المشاركين بين الأمل في العراق وطنا وفقدانه بأسباب أنواع الإضطهادات والمعاناة المستمرة التي يعانون منها فيه. فمن قـَدِمَ من العراق ممثلا عن هذه الأقليات مازال يعض على بعضه ووجوده أملا في أن العراق عراقه أيضا، خاصة وأن بعض من حضر ممثلا عن هذه الأقليات له تمثيله الرسمي في برلمان أو حكومة أو حزب، وبعض آخر من تنظيمات وجمعيات هذه الأقليات التي صارت موجودة في بلدان المهجر والتي ترى بأن تجاوز حقوقهم في الدستور وضعف أو عدم الإلتزام بمواده وبنوده وعدم وضعها موضع التنفيذ الجدي وبخاصة في السعي الحريص لتأمين أمنها وسلامة أبنائها هو تجاوز لهذه المكونات وأصالتها ووجودها. ولذلك تجد أن الجميع صار مساهما كعامل طرد لهذه الأقليات من العراق إن كان بصفة تعصب ديني من مجموعات أصولية إسلامية مكفرة ومهددة ومفرغة لشحنات الصراع والغضب بمن لا حول ولا قوة لهم إلا بالقانون وهو غير موجود بالدرجة التي تكفل الوجود، أوبالنزر القليل من الحقوق والإلتزامات التي تقدمها الدولة العراقية مقابل جوانب الإرضاء المعروفة في المساومات بين الأطراف.

والشيء الإيجابي الذي يلفت في هذا المؤتمر مشاركة خبراء ومتخصصين من دول الإتحاد الأوربي فيه وبعضهم يحمل صفة رسمية. فألمانيا مثلا قد أرسلت متخصصين الى بلدان النزوح للوقوف بشكل مباشر وعملي على أوضاع العراقيين من أتباع الأقليات الذين يتواجدون فيها لنقل صورة دقيقة وحقيقية عن الظروف التي أدت بهم الى النزوح وعن أوضاعهم المعيشية في هذه البلدان وعن المآل الذي يمكن أن تؤول إليه أوضاعهم.

وبالعودة الى أوضاع هذه الأقليات نرى أنواعا من التوجهات التي تحكم تصورات أغلبها، وهي في هذه التوجهات قد تجد سبيلا في أحيان وحجة في أخرى ومساندة بحكم الإنتماء الواحد لدى البعض في ثالثة. وهكذا صارت تركيا تساند تركمان العراق في مآربها كما أن غنى مدينة كركوك التي يقطنونها وستراتيجيتها يضعهم موضع التواد الذي يُغازل على كل ما لهم في قيمة الوجود. وصوت البابا والكنيسة عامة دعامة وجود المسيحيين في العراق ونداء الدين الواحد وحرص على تاريخ إنتشار المسيحية الأول في العراق منذ أواسط القرن الأول الميلادي المبني على قاعدة شعوب بلاد ما بين النهرين كلدان وسريان وآشوريون على ما للآشوريين من وجود قومي يرون حقوقه في دولة آشور العتيدة كأس مؤسس لجانب معلوم في حضارات العراق، ومع ذلك فليسوا في منأى من كل ما أصابهم. والأزيديون كان لهم في مناطق تواجدهم المعهودة في إقليم كردستان ونضالاتهم المعروفة في المحافظة على كيانهم وما عانوا وتعرضوا في سبيله الى مذابح وإضطهاد وجدوا في فدرالية إقليم كردستان وما تحقق لهم فيها لحد الآن شمولا حقا في الأمل والمشاركة والوجود. والشبك يرون في تكاتفهم القبلي والعشائري على إمتداد رقعة سكنهم ما يكفل لهم بعض حقوقهم ووجودهم. والكرد الفيلية صار جزاء ما عانوا في العهود السابقة مجال مطالبة في جانبي الإنتماء القومي والديني.

ولذلك حينما أشار ممثلوا الأقليات عن بعض ما تحقق لهم في التمثيل في البرلمان العراقي وبرلمان إقليم كردستان كنا نقول في القاعة بصوت مسموع "عدا المندائيين" ، وحينما يشيرون الى بعض التمثيل في الحكومة والوظائف الحكومية كنا نقول: "عدا المندائيين" وحينما يشيرون الى بعض الحقوق في المحافظة على اللغة والتراث لهذه الأقليات كنا نقول: "عدا المندائيين" !

فأين المندائيون؟

نعم، إنهم في الضمير العراقي بحكم كل ما لهم فيه : تاريخ وجود، ودلالة قدم وأصالة، وشهادة أول توحيد للحي الأزلي، وشعيرة تعميد الفرات أن الماء هبة الله للحياة والطهارة، وغنى تراث لغوي، وطيبة معايشة مسالمة، ومساهمة مخلصة في المواطنة، وخدمة كفوءة ومعهودة في مختلف الميادين والتخصصات. ولكن، أين هم من كل هذا؟ وماذا بعد كل هذا؟

جميل أن حرصت الجهة المنظمة للمؤتمر على مشاركة أحد المندائيين من العراق ليقدم صورة عن أوضاع المندائيين وظروفهم ومعاناتهم فيه وفي بلدان النزوح والمهجر، ثم يناشد، وما المناشدة إلا صوت الحاجة الى ضمير القرار. فمن صاحب القرار؟ وهل يسمع ضميره؟

ولإعلاء صوت المناشدة كانت لنا مداخلتنا كمندائيين في بلدان المهجر فقلنا:

المندائيون أقدم شعوب بلاد ما بين النهرين الذين ما زالوا علامة من علامات حفظ الوجود الممتد في جذر الزمن العراقي، صاروا أقل أقلياته في زمن الأكثريات والأقليات. كانت أسماؤهم سام ورام وزهرون ويحيى ومازالوا عليها حريصين، على الرغم من أنهم تسموا أيضا علي وعبد الحسين وعمر وعبد الزهرة وعبد الله وعبد الجبار وعبد الواحد وعبد الوهاب تعايشا وتحابا ودلالة أن الإسم ليس له خصوصية إلا بمعناه وكل هذه الأسماء لها معانيها المتميزة والجميلة ، ومع ذلك صاروا يقتلون من كل الأطراف.

ألا وا يحياه! ذبُحت دفاعا عن المبادئ وصرت أول مثال شهادة تاريخية في قول الحق، ومثال الدين والإيمان في تطهير النفوس وصبغها بصبغة الله تعميدا في الماء، هبة الله الحية والذي جعل منه كل شيء حي، فصار أتباعك يذبحون ويطردون بغياب المبادئ، وليس لهم إلا المناشدة. فهل من ضمير حي؟

إن المندائيين على كل محبة العراقيين الشرفاء لهم بحكم خصائص وصفات الطيبة والمسالمة والمعايشة والإخلاص والخدمة التي عرفوا بها مقترنة بتاريخ وجودهم المؤسس لمفردتي " الأكو/ ماكو" لغة في العراق، يواجهون اليوم بمجموعات الإستباحات الدينية المتعصبة فتعمل فيهم التقتيل والترويع حد الفرار. ويصطدمون بغبن حقوقهم برلمانيا وتمثيلا في مؤسسات الدولة العراقية وتنظيماتها بما يتعارض وحسن القبول والتقدير للوجود على ما عرفوا به من كفاءات وقدرات، فيفقدهم الأمل بأن العراق وطنهم وهم فيه مغيبون.

وتأسيسا على هرم إبراهام ماسلو في تصنيفه للحاجات الإنسانية أن حاجة الفرد للأمن تأتي بعد إشباع حاجاته البايولوجية كالطعام والشراب في الظرف المحايد. وما حصل في العراق وللأقليات تحديدا والمندائيين بصفة أكثر وضوح أن المحافظة على الأمن والوجود قد تقدمت على الجوع والعطش والتشرد فصار النزوح الكبير من العراق. وبعد تأمين جانب الأمن الحياتي في بلدان النزوح، عادت الضرورة في تحقيق متطلبات العيش بأسباب طول مدة النزوح وظروفه الصعبة التي أدت الى ترك الممتلكات وعدم توفر فرص العمل. وما يؤسف حقا أن يتوجه البعض لإستغلال ظروف الفقر والفاقة لدى بعض الأسر المندائية فيساوم في تقديم العون مقابل تغيير الديانة. وما يؤسف حقا أن هنالك أكثر من جهة تسعى لمثل هذا الإستغلال. ولذلك فإن الكنيسة في أي مكان مطالبة بأن لا يسعى بعض أتباعها في مثل هذه المساومة، بل المرجو أن تمد يدها للمساعدة من أجل أن يبقى المندائيون حافظين لشعيرة التعميد المشتركة بالرسم ذاته الذي أجراه نبينا يحيى المعمدان للسيد المسيح" عليهما السلام". فليست مئات الملايين من المسيحيين بحاجة الى زيادة من المندائيين، كما ليست مئات الملايين من المسلمين بحاجة أيضا للمندائيين بإستغلال الظروف نفسها، بل عليهم أن يبقوا ويحافظوا ويلزموا أنفسهم بقول الله العزيز في القرآن الكريم في ثلاث سور من سوره " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" البقرة 62.

وقلنا: إن كانت الأقليات العراقية تتعرض للاضطهاد بأسباب هذا الصراع الدامي في العراق وأنهم لهم أمل بحكم أعدادهم الكبيرة نسبيا ومناطق تواجدهم التي تحميهم أو سندهم الدولي والديني المتابع لهم، فإن المندائيين بغياب مثل هذا الإسناد ينقرضون. ومثلما انحسر وجودهم في العراق الذي لم يـُعرف المندائيون بغيره وبغير إمتدادهم من الجنوب العراقي الى بعض الجنوب الإيراني، وصار عددهم بدلا من ستين ألفا لا يزيد عن خمسة آلاف نسمة، فإن نزوح الباقين وفرارهم الى بلدان النزوح والمهجر دون تنظيم أو تجميع أو لم شمل قد جعلهم يتوزعون على حوالي عشرين بلدا وفي أربع قارات. فأي كيان بهذا الحجم يصمد إزاء هذا التمزق؟ وكيف يمكن المحافظة عليه في ضوء صعوبات ومعاناة الوصول، ومن ثم التوزع بين مدن كل بلد من بلدان المهجر، مضافا الى ذلك صعوبات الحياة الجديدة وعدم إمكانية التأقلم معها وما تسحب اليه ثقافات الشعوب والبلدان بما هو بعيد في أغلب الأحيان عن الحرص أو الإلتزام الديني؟ والأقسى في كل ذلك أن الظروف المناخية لأغلب البلدان التي صاروا يعيشون فيها لا تتناسب مع إمكانية إجراء الطقوس الدينية المندائية وبخاصة طقس التعميد الذي في ممارسته العلنية والجماعية يشكل عامل جذب وإحياء للشعائر وإلتزام من قبل الجميع برسم واحد مشجع على الإستمرار والمحافظة وبالتالي البقاء. ولنا أن نقدر حجم المعاناة وتوقع خطر الإنقراض إذا علمنا أن ليس للمندائيين كما للمسيحيين كنيسة قائمة في بلدان المهجر ولا جامعا أو حسينية كما للمسلمين ولا تجمعا مؤهلا لفعل مثل هذا.

ومع أن ليس للانقراض شكلا ماديا ملموسا خلال فترة محددة، إلا أن هذه العوامل التي تصارع الكيان وتشتته هي دلائل أكيدة عليه لدى المندائيين وبشكل متسارع وخطير. ويكون من الحق على الجهات المسؤولة في هذا الكيان أن تتنبه وهي واعية، وما فتأت تناشد وتعمل منظمات وأفراد ما إستطاعت ، كما يكون على الجميع حق المساعدة بحكم أن إمكانيات المندائيين إزاء هذا التحدي محدودة وضعيفة وليس بمقدورها منفردة أن تصد كل هذه العوادي. ويكون حقا أيضا على الجهات الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية " التي غاب ممثل لها في مثل هذا المؤتمر المهم " كبلد محتل للعراق وكذلك الأمم المتحدة واليونسكو والمنظمات الإنسانية الأخرى أن تسعى بشكل جاد وملموس للمحافظة على هذا الكيان، ذلك أنه صار الأسرع تضررا وضياعا من بين مكونات العراق عامة. وليس في المحافظة عليه منـّة، بل تميز، فهو في مقدمة كل توجه وكل جهد ينادي بضرورة المحافظة على مكونات الشعب العراقي وأقلياته إن كانت داخل العراق أو خارجه. فالمندائيون إرث حي لبلاد ما بين النهرين، ومثلما نتباكى ونحث على إسترجاع جرة وتمثال ولوح سرق من آثار العراق، حري بنا أن نحرص على المندائيين من الإضطهاد والإنقراض.